الحلبي

227

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

رأسه » أي أفاق من الغشي « فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوام العرش فلا أدري أرفع رأسه » أي أفاق « من الغشي قبلي ، أو كان ممن استثنى اللّه فلم يصعق » . وفي رواية « فإذا موسى متعلق بقائمة العرش ، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي ، أم كان ممن استثنى اللّه ؟ » ولعل بعض الرواة ضم هذا الخبر لخبر الشيخين « أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ، ، فإذا موسى الخ » وفيه نظر لأن المراد بيوم القيامة عند نفخة البعث ونفخة الصعق سابقة عليها كما علمت . ويلزم على هذا التردد مع كون الخبرين خبرا واحدا إشكال جزمه صلى اللّه عليه وسلم بأنه أوّل من تنشق عنه الأرض . وأجاب شيخ الإسلام بما يفيد أنهما خبران لا خبر واحد حيث قال : لتردد كان قبل أن يعلم أنه أوّل من تنشق عنه الأرض ، أي فهما حديثان لا حديث واحد . فإن قيل قوله صلى اللّه عليه وسلم « لا تخيروني على موسى ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى » الحديث يقتضي أنه صلى اللّه عليه وسلم ليس أفضل من موسى . قلنا هو كقوله صلى اللّه عليه وسلم « من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب » وذلك منه صلى اللّه عليه وسلم تواضع ؛ أو كان قبل أن يعلم أنه أفضل الخلق أجمعين . وقيل الوقت المعلوم خروج الدابة ، وإذا خرجت قتلته بوطئها . وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن إبليس إذا مرّت عليه الدهور وحصل له الهرم عاد ابن ثلاثين سنة ، وهذه النفخة التي هي نفخة الصعق مسبوقة بنفخة الفزع التي تفزع بها أهل السماوات والأرض فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج ، وتسير الجبال كسير السحاب ، وتنشق السماء ، وتكسف الشمس ، ويخسف القمر وهي المعنية بقوله تعالى يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ( 6 ) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ( 7 ) [ النازعات : 6 ، 7 ] وبقوله تعالى إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 ) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها [ الحج : 1 ، 2 ] الآية ، وقال تعالى فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ النمل : 87 ] قيل وهم الشهداء . فقد جاء « إن الأموات يومئذ لا يعلمون بشيء من ذلك ، قلنا : يا رسول اللّه فمن استثنى اللّه تعالى في قوله إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ النّمل : الآية 87 ] فقال : أولئك الشهداء ، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) [ آل عمران : الآية 169 ] وقاهم اللّه فزع ذلك اليوم وأمنهم منه » . واقتصاره صلى اللّه عليه وسلم على ذكر الشهداء وسكوته عن الأنبياء لما هو معلوم من الأصل أن مقام الأنبياء أرقى من مقام الشهداء ، وإن كان قد يوجد في المفضول ما لا يوجد